تــقــديــم:
لقد كانت الظواهر الاجتماعية موضع اهتمام الكثيرين منذ زمن طويل عند جميع المجتمعات، وقد كانت
موضع اهتمام العديد من الدارسين والباحثين من أعالم الفكر الانساني. غير أنه رغم تلك المجهودات لم
تكن سوى مراحل في تاريخ نشأة علم االجتماع ولم يستطع علم الاجتماع أن يكون ندا للعلوم الطبيعية إلا في أواخر القرن 19 حيث استطاع أن يحدد الظواهر الخاصة به،
ويحدد المنهج الذي يمكنه من دراستها بموضوعية واستقلاية تمكنه من الكشف عن أسباب الظواهر
واستخراج القوانين المتحكمة في الظواهر. مما يمكن معه من اصالح المجتمعات والتنبؤ بمستقبل
الظواهر االجتماعية.
لقد ولدت السوسيولوجيا من انقلاب هذا الانقلاب في حقيقته، انتقال إلى مجتمع جديد حصل في ملتقى
ثلاث ثوارات الثورة السياسية الثورة الفرنسية( والثورة الاقتصادية ) التحول الصناعي الذي عرضته
أوروبا ( ثم الثورة الفكرية التي هي انتصار العقلانية والعلم والفلسفة الوضعية على التقاليد وعلى العقلية
الساذجة، انقلب على طريقة التفكير وطرق معالجة الظواهر وتفسيرها.
نجحت السوسيولوجيا في وضع التصورات لنظام جديد:
1 - تصور يخص طبيعة المجتمع كان في السابق متحكمة فيه القوى الخارجية.
2 - المجتمع الحديث كان يمتلك قوانين عمله الخاصة به والتي يمكن الكشف عنها.
نقف شيئا ما عند الثورات التي كانت السبب في نشأة علم االجتماع.
القرن 19 عرف بالثورة الصناعية التي صاحبها:
- التمدن أو التحضر أو ما يمكن أن نصطلح عليه تقسيم عمل جديد أو ظهور آليات تضامن جديدة, التضامن الآلي والتضامن العضوي ( انطلاق الرأسمالية التجارية، والمكننة أي نحن أمام عمل
جديد بمهارات جديدة وعقلية جديدة خلفت وحدات إنتاج واسعة، الانتقال من إقتصاد الكفاف إلى
الاقتصاد التجاري والصناعي أدت إلى تشكل الطبقة العاملة.
- العمل- التضامن الاجتماعي الانتقال من الفلاح إلى العامل في المدن.
هذه الأمور مجتمعة وغيرها خلق خوفا من والاضطرابات( كانت بشكل مباشر وراء الأبحاث الاجتماعية. الأمراض االجتماعية .
- السوسيولوجيا الأمريكية في أوائل القرن 20 ظهرت من الرغبة في فهم الهجرة والتمدن
والتحضر.
2 .ظهور الفكر العلمي والعقلنة:
أعلن كونت ميالد ووصول الوضعية أي قيام علم مؤسس على التفسير العلمي الخاضع لمعرفة الظواهر عن طريق التجربة. لقد إبتكر السوسيولوجيا وأراد أن يجعل منها ميدانا للملاحظة الأمريكية الصارمة بخصوص الظواهر الاجتماعية.
ماهي دواعي قيام المنهج الوضعي؟
من الأشياء التي أصبحت تابثة في الفكر الغربي هي الصراع القائم بين العلم والدين حيث إعتقد بعض المفكرين أن هذه السمة طبعت علاقة العلم بالدين على الاطلاق وليست سمة خاصة بالفكر الغربي إذ لم ينقطع الصراع بينهما صراع يريد به كل منهما أن يدمر صاحبه الى أن يغلبه فحسب كما يقول "إميل بوكرو" لقد انتهت هذه الازمة خلال القرن التاسع عشر ومع المتغيرات التي حصلت وأشرنا إليها قبل قليل أدو إلى إقصاء النسق الديني من مجال الحياة وحصره داخل جدران المعابد.
وطرده من مجال النظر العقلي إلى مجال الاحساس والشعور. وإنتهى كذلك إلى تخلص العلم من الرق والعبودية التي فرضها التفكير الديني الذي فرضته الكنيسة الكاثوليكية وبدافع من الرغبة في مقاومة نفوذها.
لهذا قاد الفلاسفة حملة على هذا الأسلوب تمخضت عن إقتناع الغرب بضرورة قيام المنهج الوضعي.
أ- أسلوب التفكير الاهوتي المنتهج من طرف الكنيسة:
كان تفكير الكنيسة يتجه اتجاها معاكسا للحقيقة والواقع، وبقي موغال في ميتافيزيقية عقيمة.تأليه المسيح.
نسج الباباوات خرافات عديدة حول الفكر الديني.
"سان سيمون" يقف في وجه البابا وكنيسته بهذه التهمة النافذة، إنني أتهم البابا وكنيسته بممارسة البدع والهرطقات والتعليم الذي كان يعطيه رجل الدين الكاثوليكي للعلمانيين الذين يشاركونه في الرأي هو تعليم فاسد، فهو لا يوجه إطلاقا تصرفاتهم إلى طريق المسيحية وإتهم رجال الدين بعدم إكتساب أية معلومات من شأنها أن تجعلهم قادرين على قيادة الأتباع المومنين في طريق خلاصهم.
3 طبيعي جدا أن يناهض المفكرون الأحرار قرارات الكنيسة ويعلنون علمانيته ولا دينيته ويعلمون على تقويضه.
اضطهاد الكنيسة للعلماء:
إحتكرت الكنيسة مجال التفكير وحرمت كل تفكير يخالف التقاليد البابوية. وكان السائد أنذاك هو النزعة النصية وتحكيم الكتاب المقدس في مجالات الحياة، هذا التقديس وقف في وجه نمو العلم وفي طريق التجربة العلمية وقد بقي الحال هكذا طيلة فترة نفوذ الكنيسة، لقد استقر في ذهن الانسان الغربي وجود علاقة عكسية بين الدين والحضارة أي كلما سيطر الدين ماتت الحضارة وكلما تنحى الدين استردت الحضارة روحها.
تدخل الكنيسة القسري في كل مجاالت الحياة:
لقد حكمت الكنيسة في 500 إلى 1500 وطيلة تلك الفترة تتدخل قسريا في كل مناحى الحياة وجزئياتها وكانت الحقوق الأولية للإنسان الاجتماعية والثقافية والسياسية مشروطة بأن يكون كاثوليكيا وتابعا للكنيسة الرسمية وقابلا لكل أحكامها وتعاليمها.
- التحالف بين النظامين االقطاعي والالهوتي:
لقد كانت الكنيسة تفرض قوالبها الفكرية التي يتحتم على الناس أن يصوغوا ووفقها سلوكهم وأساليب تفكيرهم وكان النظام الاقطاعي يقدم التغطية الأمنية الالزامية لتنفيذ قرارات الكنيسة وقد خلف ذلك تدميرا كبيرا في نفوس الرعايا وارتبطت به كل معاني التهجين. وهو ما جعل الأحرار يرفضون البقاء على هذه الحال ولا يرضون إلا بتقويضه ككل.
تأسيس الوضعية البديلة الاهوتية.
الإطار التاريخي لنشأة الوضعية:
كل ما سبقت الإشارة إلية يعتبر مؤشرا على قيام نظام فكري جديد يحكم نفوذ الكنيسة وكل ما يدور في محيطها من معالم ونظم، حيث إن هناك بالمقابل تحولت هيئات الفكر الغربي ليصب أساليب تفكيره في قوالب الوضعية..
- منذ عصر النهضة والبحث جار عن أسلوب بديل وحاسم في التفكير يقوم مقام الكنيسة والفكر الاهوتي القديم.
- منذ بداية القرن 18 قطعت أشواط كبيرة نحو التحرر لدرجة أن هذا القرن سمي عصر الأنوار التنويري والمقصود إبعاد الوحي عن التوجيه والإيمان بقدرة العقل الانساني على فهم ظواهر الكون واستيعابها وإخضاعه لحاجات الإنسان. بدأ إنتقاد النظم السياسية والأخالقية والدينية السائدة والعمل على استبدالها وفق ما تفرضه المعايير العقلية وحدها.
- مع نهاية القرن 18 كان ملمح العلمانية واضحة وهي السمة الغالبة على الاتجاهات الفلسفية إذ بدأت تبسط نفوذها على المرافق التي كانت تسيطر عليها الكنيسة من قبل، وبذلك مهدت لأكبر ثورة إجتماعية وتقافية في تاريخ الغرب وهي الثورة الفرنسية التي كانت أعظم سند لقيام المنهج الوضعي، الذي سيتجسد في فلسفة "أوجيست كانت" وهو الطابع الذي ميز القرن 19 ويقول "كانت" )لوالها لما أمكن أن توجد نظرية التقدم ولما أمكن تبعا لذلك أن يوجد العلم الاجتماع ولما أمكن بالتالي أن توجد الفلسفة الوضعية.
لقد خلفت الثورة الفرنسية أزمة كبيرة داخل المجتمع الفرنسي لا نقصد هنا الأزمة السياسية الاستقرار ولا المؤسسة الإجتماعية فحسب بل المهم هو التفكير وازدواجية المعايير في التعاطي مع القضايا الإجتماعية لأن الصراع لا يزال قائما لأنه لم يتم القضاء بشكل نهائي على الفكرالظلامي ولأن الفكر الجديد لم يتم تنظيمه فطال أمد الصراع بين الفكر الاهوتي وبين الفكر الواقعي.
إن الفترة ما بعد الثورة كانت مرحلة إعادة البناء اإلجتماعي على مستوى المؤسسات وعلى مستوى التفكير، حيث إتجه المفكرون إلى إنشاء نظم جديدة لتنظيم المجتمع.
تأسيس المنهج الوضعي:
كان "أوجيست كانت" يمثل فلسفة القرن 19 حيث ترك أثرا كبيرا بين المفكرين في مختلف المجالات " القصة الرواية الشعر" وإمتد تأثيره خارج فرنسا، ورأى "ليفي بريل" إلى أن الروح الوضعية إمتزجت بالتفكير العام في القرن 19 إلى درجة أنها أضحت طبيعية لا يمكن أن نلاحظها تقريبا.
- هذه الجهود لم تكن وليدة اللحظة بل هي ثمرة لجهود النهضة الأوروبية والنضال الذي قاده الأحرار، من أجل تقويض التحالف الاهوتي والإقطاعي، وقد أصبحت الوضعية نظاما يهيمن على التصورات وعلى أساليب التفكير، يقوم على المحسوس ويقصى كل عناصر التفكير الميتافيزيقي.
1 -بدأت الوضعية مع "سان سيمون" 1760/1825.
الفكر الوضعي كان على درجة من الوضوح بحيث هناك تقارب بينه وبين أوجيست كونت إذ لا نجد إختلافا في تحليل وأسلوب التفكير بينهما.
- وعمل كونت على توسيع دائرة الوضعية ليجعل منها نظرية متكاملة ذات بعد فلسفي تستوعب مجموع الثراث الإنساني في ماضيه وحاضره، وجعل منها منطلقا في التحليل، يمتد إلى كل أطراف العلوم الطبيعية منها والإجتماعية والإنسانية.
- لقد ساد التفكير الديني في المجتمعات ماقبل العلمية، أما وقد بلغ المجتمع مرحلة الوضعية فلا مبرر للإحتفاظ بالتجربة والبراهين الميتافيزيقية. قال "سان سيمون" إن السلطة العلمية والوضعية هي نفس مايجب أن يحل محل السلطة الروحية، ففي العصر الذي كانت فيه كل معارفنا الشخصية حدسية وميتافيزيقية بصفة أساسية، كان من الطبيعي أن تكون إدارة المجتمع فيما يخص شؤونه الروحية في يد السلطة الاهوتية، مادام الاهوتيون أنذاك هم الميتافيزيقيون الموسوعيون الوحيدين.
وبالمقابل عندما تصبح كل أجزاء معارفنا قائمة على أساس الملاحظة فإن إدارة الشؤون الروحية يجب أن تستند إلى القدرة العلمية باعتبارها متفوقة على الاهوتية والميتافيزيقية.
التحول من الاهوت إلى الواقع أمر طبيعي وواقعي يتماشي والسير العام لتقدم العقل االنساني.
إن وظيفة هذا العلم لن تكون أبدا اضطهاد الفكر وإبعاده عن المشاكل الواقعية. ماهي الأسس المنهجية التي تقوم عليها الوضعية؟ وماهي انعكاستها على العلوم اإلنسانية.
1 -إعتبار الحس وحده مصدرا للمعرفة االجتماعية.
2 -اعتبار النموذج الطبيعي سلطة مرجعية للعلوم اإلنسانية.
3 -إخضاع الظواهر الإجتماعية للتجريب.
4 -تشيئ الظواهر الإجتماعية. يقول دوركايم:
إن العالم لا يستطيع أن ينهج منهجا آخر غير اعتبار الحس نقطة بدء لدراسة ...ولن يستطيع أن يتحرر من الأفكار الشائعة والألفاظ التي تعبر عن المعاني إلا إذا جعل الحس هو المادة الأولية التي لابد منها في نشأة كل معنى كلي، وبهذا تنفي الوضعية كل مصدر معرفي خارج هذا الإطار وجعل الحس وحده المصدر الوحيد في بناء المنهج العلمي.
يؤكد علماء الوضعية على وحدة المنهج العلمي بمعنى أن المنهج المستمد من الفزياء هو نفسه صالح لدراسة الإنسان وظواهره، ذلك المنهج القائم على الملاحظة والتجربة يقول كونت:
إننا ما إن نفكر بشكل وضعي في مادة علم الفلك أو الفزياء لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين.
فالمنهج الوضعي الذي نجح في العلوم الطبيعية غير العضوية يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير.
إن الغرض من هذا هو القطع مع الانفصام الذي كان يحكم العلماء من قبل الدين كانوا يعالجون الظواهر الطبيعية بالمنهج الوضعي والظواهر الإنسانية بالمنهج الاهوتي.
ومن جهة أخرى بغية التعرف على المجتمع باعتباره محكوم بقوانين وعلماء اإلجتماع ملزمون للكشف عن هذه القوانين عن طريق المالحظة الحرة دون استحسان أو استهجان للظواهر السياسية، وأن يرى فيها مجرد موضوع قابل للملاحظة... على كل يمكن القول تأسيس كونت للفزياء الاجتماعية تم استبدالها بعلم االجتماع sociologie وبعدها تم شيوع هذا المصطلح في الثقافة الغربية ليصل إلى الثقافات الكونية األخرى.
وقال "كونت" بشأن ذلك:
لدينا الآن فزياء سماوية وفزياء أرضية ميكانيكية أو كيماوية، وفزياء نباتية وفزياء حيوانية ومازلنا في حاجة ومازلنا في حاجة إلى نوع آخر وأخير من الفزياء وهو الفزياء الاجتماعي. ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر الإجتماعية موضوع لدراسة باعتبار هذه الظواهر من روح الظواهر العلمية والطبيعية والكميائية نفسها.
من حيث كونها موضوع للقوانين التابثة؟؟ بالرغم من السبق في التسمية إلا أن كونت لم يعطي تعريفا لظواهر الاجتماعية لأنه يرى بان سوسيولوجيا تدرس كل الظواهر التي لم تدرسها العلوم السابقة.
ويرى عبثا تعريف الظواهر الاجتماعية باعتبارها كل الظواهر الإنسانية بما فيها ظواهر علم النفس كما إعتبر الانسانية هي موضوع العلم ولذلك لم يحدد موضوع علم الاجتماع.
اعتبر أن الانسانية هي الحقيقة والعلم الجدير بالدراسة والبحث كموضوع لعلم الإجتماع ولذلك قسمها إلى حالتين:
الدينامية الاجتماعية والستاتيك الاجتماعية، فالديناميك الاجتماعي يدرس التغير وحركة المجتمع عبر الصيرورة الزمنية أو التصور التاريخي والدياكروني.
وبذلك اهتم بدراسة قوانين الحركة الاجتماعية والسير الآلي للمجتمعات الانسانية والكشف عن مدى التقدم التي تحققه الانسانية في تطورها.
دراسة المجتمع الإنساني وانتقالي من حال إلى حال أما الستاتيك الاجتماعي يدرس المجتمع في حالة الاستقرار والثبات والنسبية في فترة معينة من تاريخها وكذلك الاجتماعي الانساني في تفاصيله وجزئياته ونظمه وقواعده السياسية والأخلاقية والدينية والقضائية... وفي عناصرها ووظائفها بغية الكشف عن القوانين المتحكمة في التضامن بين النظم االجتماعية.
أوكيست كونت 1857/1798 يعتبر أوكيست كونت من الأوائل الذين ثاروا على الفكر الظلامي وتبنوا طريقة جديدة في دراسة المجتمع حيث تبنى المنهج التفسيري في دراسة الظواهر السوسيولوجية وفق أربع إجراءات أساسية هي :
الملاحظة والتجربة والمقارنة والمنهج التاريخي، مستلهما المنهجية المتبعة في العلوم الطبيعية الكمياء والفزيولوجية.
ويؤكد "كونت" على أن الملاحظة أو استخدام الحواس الفيزيائية يمكن تنفيذها بنجاح إذا وجهت عن طريق نظرية واستيعاد الاستيطان أكثر ما يمكن.
كما أكد على إمكانية عقد المقارنات التي تعيش معا زمنا بعينه وبين الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد. ويعتبر المنهج التاريخي الذي يختلف بشكل كبير المناهج المستخدمة عند المؤرخين الذين يؤكدون العلاقات السببية بين الوقائع الملموسة ويقيمون قوانين عامة كيفما اتفق، بحثا عن القوانين العامة للتغير المستمر في الفكر الانساني. كما أشرت سابقا يعتبر "كونت" من الرواد المؤسسين للوضعية positirsme الدين قعدوا وأسسوا علم الاجتماع على أسس علمية تحاكي التجريبية العلمية معتمدا على المالحظة والتجربة والمقارنة والتاريخ وعرف كذلك بواضع "قانون" الحالات الثلاث التي يفسر فيها تطور الإنسانية أو الفكر اإلنساني.
الاهوتية والميتافيزقية والوضعية:
لقد تبت بالدراسة والبحث لدى "كونت" أن كل فروع المعرفة مرت بصدد تفسيرها الظواهر من الدور الاهوتي إلى الدور الميتافيزقي انتهاء بالدور العلمي.
1 -المرحلة الاهوتية أو الدينية: في هذه المرحلة كان اإلنسان سيفكر بطريقة خيالية وأسطورية وخرافية وسحرية وغيبية ودينية.
وكانت الظواهر الطبيعية تفسر وفق قوى خفية مصدرها الأرواح والشياطين والعفاريت والآلهة. وكانت هناك تغييب تام للحتمية التجريبية والقانون الوحيد المعترف به هو الصدفة.
2 -المرحلة الميتافيزقية:
في هذه المرحلة انتقل الإنسان من الأسطورة والخيال إلى اللوغوس والعقل المجرد وبدأ يهتدي بالتأمل الفلسفي واستخدام العقل والمنطق والاستدلال البرهاني والحجاج الجدلي وتواكب هذه المرحلة الفكر الفلسفي من اليونان حتى القرن 19 قرن التجريب والاختبار والوضعية. وكان المنهج الميتافيزقي يقوم على التأمل النظري والبحث المطلق يدرس الحقائق الكلية بحثا عن العلل الأولى لا يؤمن بخضوع الظواهر إلى قوانين يمكن الكشف عنها، منهج مطلق كانت غايته هي وضع مبادئ فلسفية لا سبيل إلى تصورها.
3 -المرحلة الوضعية:
لقد تجاوز العقل الإنساني في هذه المرحلة، مرحلة الخيال والتجريد، وبلغ درجة كبيرة من الوعي العلمي والنضج التجريبي لأنه يقوم على الملاحظة وتقرير طبائع الأشياء كما هي وأصبح التجريب أو التفسير منهج البحث العلمي الحقيقي، يدرس الحقائق الجزئية وعناصر الظواهر بحثا عن أسبابها المباشرة ويربط الظواهر المتغيرات المستقلة بالمتغيرات التابعة ربطا سببيا في ضوء مبدأ الحتمية العلمية، ويعتبر "كونت" على أن هذه المرحلة هي نهاية تاريخ البشرية نظرا لآلياته بخضوع الظواهر إلى قوانين يمكن الكشف عنها بطريقة علمية. يعقد "كونت" موازينه بين أدوار الأستاتيكة الثالث وبين الأدوار التي يمر منها الفرد في نشأته، إذ تتوافق كل مرحلة من هذه المراحل مع تطور الانسان من الطفولة حتى الرجولة مرورا بالشباب وتتطابق الوضعية مع مرحلة النضج والرجولة والاكتمال تبقى الأمور هذه نسبية كدراسة النظام الأسري والنظام الأبوي والنظام الاقتصادي والتركيز على العلاقات الترابطية والسببية بين المتغيرات.
- تدور أبحاث "كونت" في حالة الديناميك الاجتماعي حول نظريتين اثنتين:
هما قانون الحالات الثالث وتقدم اإلنسانية.
1 -جاء قانون الحالات الثلاث كنتيجة لدراسة الديناميك الاجتماعي الذي حاول فيه دراسة قوانين الحركة الاجتماعية وسيرورة المجتمعات الانسانية والكشف عن التقدم الحاصل في تطورها، وبذلك خلص إلى الانتقال من المعرفة القائمة على المتيولوجيا إلى الميتافيزيقي إلى الدور الأخير الوضعي ويقصد بذلك بأن تاريخ النظم والحضارة والفنون وتطورها ومظاهر القانون والسياسة لا يمكن فهمه إلا بالوقوف على تاريخ التطور العقلي بوصفه المحور الأساس الذي تدور حوله كل الأنشطة الاجتماعية والإنسانية والشاهد على ذلك لابد من انسجام في الفكر وبين مناحي الحياة الاجتماعية فكل تغير في الجانب الأول يتبع تغير في الجانب الثاني.
2 -نظرية التقدم:
لكي نفهم مقولة "كونت" جيدا لابد من الرجوع إلى سابقية الذين فسروا الحركات الاجتماعية بالاضطرابات أوالدبدبات التي تحصل في المجتمعات غير أن "كونت" قال بضرورة خضوع السير الاجتماعي لقوانين تحدد بالضبط سير تقدمها وتطورها، وقد حدد مظهرين يصاحبان الإنسانية في الانتقال وهما التحسن في الحالات الاجتماعية يقصد به التقدم المادي الواضح ويتوقف على المعرفة بقوانين الظواهر االجتماعية والتدخل على أساسها لتحقيق الإصلاح والتقدم المنشود. وتحسن في الطبيعة الإنسانية وهو تحسن بيولوجي طبي وعقلي، بالكشف عن وسائل جديدة للسيطرة على الطبيعة والإنسان. صنف كونت العلوم إلى ست مجموعات:
1 -الرياضيات
2 -الفلك
3-الفزياء
4 -الكمياء
5 -علم الحياة
6 -علم الاجتماع وقد جعل من الرياضيات مفتاح العلوم جميعا أما علم الاجتماع فهو آخرها ونتاجها جميعا.
فقد توصل اليونان إلى الرياضيات. ثم الفلك الذي ظهر على يد "كبرنك وكيلر وغاليلو" الفزياء ظهر على يد "الفوازييه" في القرن 17 وعلم اإلحياء في القرن 19 عند بيشاط Bichat وغيره. وأخيرا علم الاجتماع في القرن 19 على يد "أوكيست كونت" وقد صنف العلوم من المجرد إلى المحسوس ووسع النظرية الوضعية لتشمل العلوم الطبيعية واإلنسانية.
ويتكون التحليل الاستاتيكي من ثالث مكونات:
1 -الفرد
2 -الأسرة
3 -المجتمع
1 -الفرد:
أعطى "كونت" في تصوره للفرد مكانة ثانوية مقابل الجماعة لكون القوة الإجتماعية تستمد من تضامن الأفراد ومشاركتهم في العمل وحسب توزيع الوظائف فالفرد مجرد عنصر اجتماعي ضمن جماعة كبيرة هي التي تحدده فلا قيمة لا لقوته الطبيعية ولا العقلية إلا بالاتحاد مع الآخرين فقيمة الفرد الأخلاقية تستمد أيضا من العقل أو الضمير الجمعي، والتضامن الأخلاقي في المجتمع، وفي النهاية فالفرد حسب "كونت" هو حصيلة اختلاط وامتزاج العقول والتفاعل الوجداني بين الأفراد واختلاف الوظائف وتنوع الأعمال ذات الأهداف الواحدة والغايات المشتركة.
2 -األسرة:
تعتبر الأسرة كمؤسسة اجتماعية صغيرة الخلية/ الوسط التي يتجلى فيها التفاعل الوجداني واختلاط الوظائف وامتزاج العقول والوسط الذي تتحقق فيه مظاهر الحياة الاجتماعية. كما يظهر فيها الاتحاد ذو الطبيعة الأخلاقية لأن من وظائفها الأساسية هي الجانب العاطفي والجنسي الإنجاب التربية... فأفراد الأسرة يتقاسمون مشاعر وعواطف ويشتركون في الانجاب والتربية والحقوق والواجبات واستدماج لثقافة المجتمع في شخصية الأبناء.
3 -المجتمع:
هو مؤسسة المؤسسات فهو وحدة حية مركب ومعقد ويبدو التعاون والتضامن من أهم مظاهره التي تحكم المجتمع وتسيطر عليه، وهو ما يسمى بتقسيم العمل وتوزيع الوظائف الاجتماعية. وفي إطار تدخله لإصلاح المجتمع يرى "كونت" بأن مبدأ التضامن الاجتماعي لا يتحقق في أي مجتمع إلى من خلال الاهتمام بثلاثة أنظمة أساسية:
التربية والتعليم والاسرة ثم النظام السياسي. إذ يرى ضرورة قيام أي نظام تعليمي على أسس وضعية إذ يجب أن تحل الأسس العلمية محل التجريد والميتافيزيقا وفصل التعلم عن السياسة حتى يتم إبعاده عن النفاق والإثارة والنزعات التي تفسد الطبائع، ثم ضرورة أن يكون التعليم على ثالث مراحل:
المرحلة الابتدائية ثم الثانوية ثم العالي. أما الاسرة فيجب في نظر "كونت" أن تبنى على أساس تعويد الأطفال على التضامن الاجتماعي ونبد الأنانية ولذلك احتلت الأم مكانة مهمة في التنشئة الاجتماعية والتربية على الوضعية في شخصية ألاطفال عيادة اإلنسانية.
إصلاح النظام السياسي:
نظرة "كونت" إيجابية للحكومة فهو مؤشر/ دليل على تخلف أو تقدم المجتمع ولم يقبل بالمقولة السائدة خلال القرن 18 كونها شر لابد منه فتقدم المجتمع رهين بالتناغم بين المجتمع والحكومة وفي قدرة هذه الأخيرة إعطاء قيادة حكيمة ورشيدة للمجتمع، وحدد وظيفتها في السهر على تحقيق مبدأ التضامن الاجتماعي وتوحيده ورعاية الوظائف المادية الروحية وحفظ الدين وغرسه في نفوس أفراد المجتمع. يفكر "كونت" في أن يحل المشاكل الاجتماعية من خلال السوسيولوجيا.
المحاضرة الخامسة
اميل دوركاريم
يقر غالبية الباحثين والمختصين في العلوم الاجتماعية،أن الانتاج الفكري لاميل دوركايم شكل نقطة تحول
هامة في تاريخ الفكر الاجتماعي و نظرية علم الاجتماع ،حيث يعد هذا الاخيرأحد دعائم الحركة العلمية في
النصف الاخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك من خلال محاولته صياغة قواعد
علمية تكون منطلقا لعلم جديد اسمه السوسيولوجيا، الذي يهتم بدراسة الوقائع الاجتماعية،و أساليب
السلوك والتفكير والاحساس الخارجي عن الافراد، و المزودة بقوة القهر التي تسيطر بها عليهم ، ومن هنا
تصبح مهمة علم الاجتماع حسب إميل دوركايم ، هي تحديد قواعد المجتمع أو معاييره وكيفية السيطرة على
السلوك بواسطتها .
وقد انطلق "إميل دوركايم "من مفهوم الوعي الجماعي لتفسير الوقائع الاجتماعية، رافضا بذلك التفسير
النفسي والاهوتي والغيبي لها، ففي دراسته ومعالجته لظاهراتي الجريمة والانتحار استبعد أن يكون
للقيم والمثل أي أهميية في تفسير الوقائع االجتمياعيية ،مؤكدا في نفس الان على ضرورة فهم الظواهر
الاجتماعية كأشياء قابلة للملاحظة والاختبار، على اعتبار ان هذه الاخيرة هي ظواهر خارجة عن الفردانية،
وبالتالي فإن تشكلها انما يكون بفعل القهر والاكراه الاجتماعي ودون وعي من الافراد، فلو أخذنا مثال نموذج الانتحار نجد أن إميل دوركايم، ينطلق من نتيجة أساسية، وهي أن الانتحار لست ظاهرة نفسية أو
عضوية، بل هي ظاهرة مجتمعية، مرتبطة بتقسييم العمل في المجتمع الرأسمالي الصناعي. وبالتالي، يتحدد
معدل الانتحار بحسب درجة اندماج الافراد في الجماعة، والعلاقة بينهما علاقة علية أو سببية.
عليه سنحاول من خلال هذه الورقة البحثية تسليط الضوء على معالم المنهج السوسويولوجي
عند دوركايم في دراسته للظواهر الاجتماعية من خلال جرد القواعد المعتمدة من أجل بناء المنهج
السوسيولوجي، هذه القواعد التي تضمينها في جميع كتبه لكنها موجودة بدقة أكثر في كتابه قواعد المنهج
السوسيولو جي، وعليه استنادا إلى ذلك سوف نسعى الى معالجة المسائل النظرية والتطبيقية المتعلقة
بالمنهج نطلاقا منه.
اميل دوركايم في سطور
عاش إميل دوركايم في الفترةالممتدة بين 8181 - 8181م. يعد من أوائل الفرنسيين في علم الاجتماع الذين
ساروا في طريق العمل الاكاديمي.
ولد دروكايم في إبينال باللورين، المقاطعة الفرنسية الشرقية،وأتى ميلاده لاب من الحاخامات
اليهود،الذي أراد لابنه أن يسير على نهج الاسرة، بان يصبح رجل دين، وقد أراد الابن لنفسه هذا أيضا،
فدرس وقرأ كتاب العهد القديم،والتلمود الذي يحوي تعاليم الاحبارالربانيين الموسويين، وفي الوقت نفسه درس العلوم العلمانية وسارفي التعليم الحكومي. وبعد محاولتين فاشلتين تم قبوله بالمدرسة
العليا سنة 8111 وفيها التقي بعدد من الرجال الذين تركوا آثاراواضحة على الحياة الفكرية في فر نسا، من
أمثال هنري برجسون الفيلسوف الشهير،وبيير جان الباحث في علم النفس ، وكان من أكثر أساتذة
المدرسة تأثيرا فيه فوستل دي كولانج مؤلف كتاب المدينة القديمة والذي أصبح بعد ذلك مديرا
للمدرس.
وبعد تخرجه من هذه المدرسة سنة 8111م اشتغل دوركايم بالتدريس في المدارس الثانوية في سنة
1887م، ليتاح له الذهاب إلى ألمانيا في إجازة علمية، وهناك تعرف على فكر فاجنرو شمولر و فو ن وتأثر بهم وانعكس هذا على موقفه الفلسفي، سواء من الفكر أو من الواقع، هذا بالطبع بجانب تأثره البالغ
بفلاسفة عصر التنوير من أمثال جان جاك روسو ومرن سكيو، كما تأثر بالطبع بفكر سان سيمون الذي عده دوركايم أستاذه في علم اإلجتماع.
من مؤلفاته
كتاب تقسيم العمل في املجتمع، ثم اصداره سنة 8111.
كتاب قواعد المنهج في علم االجتماع ثم اصداره 8118.
كتاب االنتحارثم اصداره 8111.
كتاب األشكال األولية للحياة الدينية خالل عام 8181.
مفهوم الواقعة الاجتماعية:
الظاهرة الاجتماعية
الو اقعة الاجتماعية والواقعة الفردية من أهم الموضوعات في الدراسة الاجتماعية، لارتباط قيام علم
الاجتماع بها واستقلاليته، وتكمن أهميتها في وضع علم الاجتماع على قواعد ثابتة.
حدد دوركايم الموضوع الخاص بدراسة الوقائع الاجتماعية ليميزه عن باقي العلوم الاخرى. وعن
الظواهر التي تتناولها هذه العلوم و كذا تمييزه عن الظواهر الفردية والنفسية، لان وظائفها تختلف عن
الوظائف التي يقوم بها الفرد لوحده. فإذا كان المجتمع يشكل المادة الاساسية للظواهر االجتماعية فإن
الفرد يشكل المادة الاساسية للظواهر الفردية والظواهر الاجتماعية تشكل الميدان الخاص لعلم
الاجتماع، لذلك فالظواهر الاجتماعية تتمثل بانعكاساتها أو بتجسيداتها الفردية؛ لذلك أبعدها دوركايم
عن الافكار الموجودة في وعي كل فرد وعن الحركة التي يقوم بها الافراد، وبالتالي فهي ليست ظواهر
اجتماعية، فالمعتقدات والاتجاهات وممارسات المجموعة هي ما يشكل الوقائع الاجتماعية.وهذه الاخيرة
توجد على نحو مستقل عن الاشكال الفردية التي تأخذها في حال انتشارها.
يبدومن خلال كتابات دروكايم خصوصا كتاب "قواعد المنهج السوسيولوجي " أنها تسعى نحو تحقيق
استقلالية السوسيولوجيا عن المعارف والعلوم األخرى، وعلى ذلك الاساس وضع الاساس التي ينبغي ان
يرسى عليها علم الاجتماع أهمها هو دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياءاوموضوعات مادية يجب
أن تخضع للملاحظة الخارجية، وبهذا الصدد يقول دوركايم: أن الظواهر الاجتماعية تشكل أشياء ويجب
أن تدرس كأشياء. لأن كل ما يعطي لنا أن يفرض نفسه على الملاحظة يعتبر في عدد الاشياء.. وإذا، يجب أن
ندرس الظواهر الاجتماعية في ذاتها في انفصال تام عن الافراد الواعين الذين يمثلونها فكريا، ينبغي أن
ندرسها من الخارج كأشياء منفصلة عنا، إن هذه القاعدة تنطبق على الواقع الاجتماعي برمته وبدون استثناء
.
أما القاعدة الثانية فتتطلب تخلص عالم الاجتماع من كل الافكار المسبقة وأن يشك شكا منهجيا
بغية الوصول إلى اليقين الديكارتي .
و القاعدة الثالثة دراسة الوقائع الاجتماعية التي تشترك في خواص معينة دراسة علمية موضوعية،
من خلال الملاحظة والتصنيف والتفسير.
و القاعدة الرابعة دراسة الظواهر الاجتماعية التي تتميز بالتكراروالاطراء والعمومية والجبرية
والإلزام، بملاحظتها من الخارج بعيدا عن العوامل الفردية والنفسية.
القاعدة الخامسة هي التمييز بين الظواهر السليمة والظواهر الاجتماعية المعتلة أو المرضية
وهو يطلق الأولى عل كل ظاهرة تعم في المجتمعات المتحدة أوالمتقاربة في الدرجة بشرط أن يكون وجودها
في هذه ا لمجتمعات في مرحلة من مراحل تطورها، أما المرضية فهي الظواهر الشاذة التي ال ترتبط بشروط
الحياة االجتماعية ويمكن التمييز بين هذين النوعين من خلال ما يلي:
أولا :
تعد الظاهرة الاجتماعية سليمة بالنسبة الى نموذج اجتماعي معين ،وفي مرحلة معينة من
مراحل تطوره إذا تحقق وجودها في أغلب المجتمعات المتحدة معه في النوع، وإذا لوحظت هذه المجتمعات
في نفس المرحلة المتماثلة أثناء تطوره
ثانيا:
يمكن التحقق من صدق نتائج القاعدة السابقة ببيان أن عموم الظاهرة في نموذج اجتماعي
معين يقوم على أساسمن طبيعة الشروط العامة التي تخضع لها الحياة الاجتماعية
ثالثا :
وهذا التحقق ضروري إذاوجدت هذه الظاهرة في بعض أنواع المجتمعات التي لم تنته بعد
من جميع مراحل تطورها.
و القاعدة السادسة هي تصنيف المجتمعات من حيث البنية والوظيفة فالباحث لن يستطيع تفسير
أي ظاهرة اجتماعية معقدة الا بشرط أن يتبع بملاحظته جميع مراحل التطورالتي تمر بها الظاهرة في جميع
الانواع الاجتماعية ويمكن تحقيق دلك من خلال ملاحظة المجتمعات التي نقارن بينها في مرحلة مشتركة من
مر احل تطورها ، وهكذا نحكم بتقدم الظاهرة او بتقهقرها او ببقائها على حالها الأولى، تبعا يعتريها من قوة
أو ضعف في أثناء وجودها في كل مجتمع من هذه المجتمعات .
موضوع علم الاجتماع ومدركه:
كيف يعرف دوركايم الظاهرةاالجتماعية؟
أشرنا آنفا إلى ان الموضوع الأساس ي الذي يهتم علم الاجتماعي بدراسته هو "المجتمع" وبما أن العناصر
الجوهرية لحياة المجتمعات، على ظهر الأرض كان دائما هي ، ونماذج السلوك الإنساني متشابهة
ومشتركة في مظاهرها العامة، وإن اختلف أشكالها وملامحها، فقد كان من الممكن أن تلاحظ ، وتوصف، وتحلل، وتفسر أي أن تدرس دراسة علمية، ولذلك أطلق علماء الاجتماع الغربيون على موضوع علم
الاجتماع عبارة" الظاهرةاالجتماعية" بينما سماها ابن خلدون بالواقعة الاجتماعية.
وعرف الظاهرة أو الواقعة الاجتماعية حسب إميل دوركايم بأنها كل ضرب من السلوك ثابت أو غير ثابت يباشر نوع من القهر الخارجي على الأفراد أو أي سلوك يعم المجتمع بأسره وله وجود خاص مستقل عن
الصورالتي يشكل بها الحالة الفردية 3."
والا يقتصر مدلول الظاهرة على نماذج السلوك السلبية في حياة المجتمعات أي على مشاكلها الاجتماعية،
كالإجرام، وانحراف الأحداث، والفقر والبطالة والبغاء، والحروب والصراعات المختلفة، وغيرها، كما اعتقد
ذلك بعض الباحثين الاجتماعيين، الذين حصروا علم الاجتماع في دراسة المشاكل الاجتماعية، والبحث
عن أسبابها وطرق علاجها، بل هي تشمل حتى نماذج السلوك السوية الاعتيادية للحياة الاجتماعية.
وتتميز الظاهرة االجتماعية بأنها:
1-إنسانية:
أي خاصة بالإنسان الذي هو الكائن الوحيد الذي ميزه الله بالقدرة على إنشاء العلاقات الاجتماعية عن طريق الفكر والعقل بخلاف بعض مظاهر التنظيم الجماعية التي نلاحظها في بعض
الحيوانات لأنها تصدر بدافع من الغريزة فقط.
2-إلزامية:
أي ان الفرد يجد نفسه ملزما باتباعها داخل الجماعة التي أقرتها، كقيمة خلقية أو فنية، أو
كعادة أو تقليد محترم، بحيث يتعرض من يخالفه استنكارا المجتمع وسخريته،وهذا لا يمنع قيام زعماء
ومصلحين ضدها، إذا كان مضرة بالمجتمع.
3-عمومية:
لأنها تهم عددا كبيرا من الأفراد الذين يشتركون في ممارستها، وتتكرر لمدة طويلة من الزمن،
حيث تظهر بصورة واحدة تقريبا وهذا بخالف الظاهرة النفسية التي تختص بسلو ك فرد واحد معينة في
ظروف معينة.
4-شيئية:
أي أنها تدرس وتؤخذ كشيء، فلها إذن وجود مستقل عن الأفراد، لأنها توجد خارج شهوره،وندخل
في إطار نماذج السلوك التي يمارسها الملجتم على نطاق من القيم والقواعد التي حددها العرف أو الدين أو
القانو ن حيث يقول دوركايم:"مهما يكن من شيئ فإن الظواهر الاجتماعية أشياء، ويجب أن تدرس على أنها
4 أشياء "
.
5-مكتسبة:
أن يكتسبها الفرد من المجتمع نتيجة استقرار أسلوب العلاقات الاجتماعية، طبق نماذج معينة
تلقائية، وبإيحاء من العقل الجماعي الذي ينشأ من تفاعل األفراد.
6-ذات تاريخ:
يرتبط بنشأتها وتطورها قد يزيد أحيانا على بضع سنين،كشكل بعض الأزياء مثال، وقد يمتد
آلاف السنين، كنظام الأسرة مثال، وهذا يعني أن الظاهرة سابقة في وجودها على الفرد، الذي يأتي لتعلمها
ويمارسها.
7 -متغيرة:
والتغير من الصفات الملازمة للظاهرة، التي تتعرض للتغير تحت تأثير الظروف التي يمر بها
المجتمع ويزداد هذا التغيراتساعا كلما طال تاريخ الظاهرة.
8-متفاعلة:
اي مع غيرها من الظواهر ولذلك لا يمكن دراستها منفصلة عن غيرها، فنظام الأسرة مثلا متأثرا
بالظواهر الدينية من جهة وبالظواهر الاقتصادية من جهة أخرى، وكلاهما متأثر بالظواهر السياسية
وهكذا.
9 -معقدة:
لأنها نتيجة عوامل متعددة، مثال ذلك الجريمة وبسبب هذا التعقل والتفاعل والتغير، كان دراستها أصعب من دراسة الظاهرةالطبيعية.
10-نسبية:
أي انها تختلف شكلا وصورة وحجما باختلاف الزمان والمكان كشكل التحية، وشكل تقاليد الخطبة أو الزواج.
وبالرغم من هذه الخصائص التي حددت بها الظاهرة الاجتماعية فإن بعض الاجتماعيين الأمريكيين
يعتبر هذه العبارة فضفاضة جدا ويفضل عليها عبارة "العلاقات الإنسانية" ذلك أن تجاربنا اليومية في
العلاقات الإنسانية مع أسرنا وأصدقائنا وأعدائنا، ومع الأجانب تؤلف العادة الاساسية لعلم الاجتماع. وفي تعريف آخر، يحددها من خلال خاصية الانتشار داخل المجموعة وللتأكيد على صفتي القسر
والاجتماعي كخاصتين أساستين للظاهرة الاجتماعية يقول باختلاف المشاعر الجماعية عن الفردية، اختلاف شعورنا عندما نكون في جماعة عن تفكيرنا لوحدنا
ولتأكيد ذلك يكفي ملاحظة نشأة الأطفال لإبراز خاصية القسر، فالتربية تفرض على الطفل طرق معينة في
الرؤية والتصرف والشعور حيث يتم إجباره على الأكل بطرق معينة،وعلى النوم بانتظام والهدودوالنظافة
والطاعة، وفيما بعد أخذ المحيط بعين الاعتبار. واحترام التقاليد والعادات وعلى العمل من خلال القسر
المفروض على الطفل من طرف الوسط الاجتماعي والهادف لتكوين الطفل على صورته الأسرة و المربين
وسطاء فقط. وهذا كلهما كان يستطيع الوصول إليه لو ترك وشأنه ... ومن ثم يمكننا أن ننظر إلى هذه
الأساليب على أنها صورة مصغرة للطريقة التي نشأ عليها هذا الكائن الاجتماعي في مختلف مراحلها التاريخية
، ذلك بأن الضغط الذي يعانيه الطفل في كل لحظة من لحظات حياته ما هو الا ضغط البيئة الاجتماعية
التي تحاول أن تطبعه بطابعها الخاص والتي تتخذ الاباء والمربين وسطاء لها .
ومن هذا المنطلق يؤكد دوركايم " يمكن لنموذجنا التربوي أن يجد تفسيرا له في ضوء البيئة الاجتماعية
القائمة .. فالمجتمع لم يحدد نموذج الانسان وفقا لأنموذج الذي يسعى المربي لتحقيقه فحسب، بل هو الذي يسعى المجتمع على بناء ذلك النموذج ويحققه وفقا لاحتياجه المتنامية"
وبالتالي فالإنسان الذي
يجب على التربية أن تحققه هو الانسان لا كما صنعته لنا الطبيعة بل الانسان على نحو ما يريده المجتمع
أن يكون .
تتحدد الظاهرة الاجتماعية إضافة إلى خاصيتي الانتشار والقسر بخاصية الموضوعية، إذ إن طرق
التصرف والتفكيروالشعورتوجد خارج الذات الفردية أي في القوانين والعادات، كما أن الوقائع الاجتماعية
كالوقائع الطبيعية عبارة عن أشياء حقيقية موجودة خارج الفرد لها وجودها الخاص بها، والتي لا يستطيع
الفرد تغييرها، فهو يأخذها بعين الاعتبار، و لكي تكون الظاهرة اجتماعية يجب على مجموعة كبيرة من
الأفراد دمج فعلها وهذا الدمج سوف يؤدي إلى إنتاج جديد .
وعليه يتجلى المبدأ الأساس في فهم الوقائع الاجتماعية يتمثل في كونها حقائق موضوعية ومن هذا المفهوم
انطلق علم الاجتماع، فالظاهرة الاجتماعية حسب دوركايم هي ضرب من السلوك العام واتجاهات وأساليب
وأوضاع يصب فيها الإنسان تفكيره وأعماله، وهي ليس من صنع الأفراد ولكنها من صنع المجتمع، وهي عامة
ولها كيان خاص بها، مستقل عن الصورالتي تشكل منها في الحالات الفردية ومزودة بقوة ملزمة مجبرة.
و انطلاقا من هذا العريف يمكن استخلاص خصائص الظاهرة الاجتماعية والمتمثلة فيما يلي :
1- الظواهر الاجتماعية تتميز عن باقي ظواهر العلوم األخرى ومستقلة عنها كونها إنسانية تنشأ
بنشأة االجتماع الإنساني.
2- كون الظاهرة الاجتماعية ظاهرة إنسانية فهي تتميزبكونها عبارة عن قوالب وأساليب وأوضاع
للتفكير والعمل الإنساني.
3 - الظاهرة الاجتماعية تتميز بكونها خارجية عن الأفراد وبكونها شيئية، بمعنى أنها توجد خارج
الشعورالفردي باعتبارها حقيقية موضوعية ومستقلة عن وعي الأفراد وتنتقل عبر الأجيال ولا تزول بزوالهم أو بعضهم لكونها سابقة في الوجود على الوجود الفردي أسبقية المجتمعي عن
الفردي. خضوع الأفراد لاقوال ونظم ومثل اجتماعية سابقة عن الوجود الفردي في الحياة.
4 - أسبقية الظاهرة عن الفرد في الوجود يجعلها ليس من وضعهم لذلك تتميز بالتلقائية وهي من
وعي العقل الجمعي.
5- الظواهر الاجتماعية والمقصود بذلك الانشار داخل المجتمع. وتتجلى العمومية في:
1- انتشارها في محيط مجتمع معين في جميع هيئاته و طبقاته في مدنه وقراه.
2- أن يكون انتشارها في طائفة من المجتمعات المتشابهة من حيث الظروف الطبيعية
والموفولو جية والاجتماعية.
3- ان يكون اننشاه في نماذج اجتماعية مختلفة.
6 -الظاهرة الاجتماعية تتميز بالجبرية و الإلزام أي أنها تفرض نفسها على الأفراد مما يحتم عليهم
ان يراعوها ويوجهوا أعمالهم صوب ذلك سواء وافق ذلك رغباتهم الفرديةأم لم يوافق ذلك.
7 - وقد حدد دوركايم منهجه التفسيري لدراسة الظواهر االجتماعية مؤكدا على وجود علاقة
سببية بين الظواهر المرصودة.
ويقوم هذا المنهج على إبعاد كل ما هو ذاتي أو تأملي واستعمال
التجريب، وتكرار الاختبارات والاحتكام إلى الجبرية الاجتماعية المسندة على الحتمية
والعمومية والضغط الخارجي والعقاب الخ، والابتعاد عن التصورات المسبقة والمعارف أو
الأحكام الشائعة،وفي هذا الصدد يقول دوركايم : أن طريقتنا طريقة موضوعية ويقول في موضع
آخر :"إن القاعدة التي ننطلق منها التي تفترض أي تصور ميتافيزيقي، والتي تضمن أي نظر تأملي
في كنه الموجودات.
إن ما تطلبه هو أن يضع عالم الاجتماع نفسه في وضع فكر يشبيه بالوضع
الذي يكون عليه الفيزيائيون والكيميائيون والفيزيولوجيون، حينما ينخرطون في استكشاف
منطقة مجهولة عن ميدانهم العلمي.فعلى عالم الاجتماع، بدوره، وهو يحاول النفاذ إلى المجتمع
أن يعي بأنه ينفذ إلى عالم مجهول.وعليه، أن يشعر بأنه، أيضا، إزاء وقائع غير منتظرة مثلما
كائن عليه وقائع الحياة، قبل أن تشكل البيولوجيا كعلم."
باختصاريقوم المنهج الدوركايمي على الخطوات التالية:
-التعريف بموضوع الدراسة، وملاحظة الظواهر من خلال إعادة بناءها علميا وتنظيم الوقائع في ضوء
استكشاف العلاقات التي تتحكم في المتغيرات المستقلة والتابعة، والالتزام بالخاصية العلمية للفرضية
السوسيولوجية.
يقوم المنهج الوضعي على منهجية استقرائية تجريبية وتنطلق من مشكلات اجتماعية وفرضيات علمية
والاستعانة بالتجريب التكراري والترابطي واسثمار الإحصاء الرياضي واستخلاص القوانين والنظريات .
انطلق دوركايم في تحليله للإنتحار " باعتباره ظاهرة فردية ترجع الى الفروق الفردية للأفراد وهي ليس
فروقا سيكولوجية وإنما ترجع الى بعض الخصائص الاجتماعية لكل فرد من الأفراد حسب الظروف التي
يعش فيها في الأسرة والمهنة وما الى ذلك ، والتي تنعك على وعيه الفردي وتحدده وبالتالي يؤثر هذا الوعي في سلوكه وفي قيمه وفي مواقفه بل وفي واقعه وبإيجاز يؤثر الوعي في واقع الناس وتصرفاتهم .
وبهذا يمكن القول بأن كل تحليلات دوركايم تقوم على رفض لكل معطى قبلي priori وعلى الاستخدام
المنظم للإحصاء، فمن خلال فحصه التفسيرات الشائعة عن الانتحار من قبيل الاختلالات العقلية،
العو امل الكونية والمناخية والتقليد، والوراثة والعرف ...الخ .توصل الى نتيجة مفادها أن المحيط الاجتماعي
المحيط بالفرد هو الذي يحدد ويتحكم بانتحاره، حيث قام بفحص السياقات الدينية والعائلية والسياسية
والاقتصادية وقارن الأوساط الحضرية والقروية والمناطق والبلدان والحقب فوصل إلى خلاصة كون
الانتحار في المدن أكثر منه في القرى، وعند العزاب أكثرمن المتزوجين وأكثر عند المتزوجين بدون أبناء،
وأكثر في حالة غياب الدين، وعلى العكس من ذلك يقل الانتحار في صفوف الأفراد المنتمين لجماعة دينية،
و كذلك تقل نسبة انتحار الأفراد عندما تكون بلدهم في حالة حرب أوفي أزمة اقتصادية مما يؤدي الى تقوية
الروابط الاجتماعية التي تعززاللحمة والتضامن في الأزمات.
وفي هذا السياق توصل دوركايم إلى أن العائلة والدين والمجتمع السياسي هي مقدار من الزمر
الاجتماعية التي تحدد هوية الأفراد، حيث كلما ضعف هذه الزمر بشدة فإن الفرد يفقد نقاط اسناده.
أما في دراسته للدين من خلال كتابه الصورالأولى للحياة الدينية فقد لاحظ دوركايم بأن المقدس
هو القاسم المشترك بين جميع العقائد، فالمقدس هو نتاج الحياة الجماعية وبالتالي فالدين هو المجتمع
وبهذا يكونان مترادفان، ويعني ذلك أن المجتمع هو الذي يغرس ويولد طبيعة التفكير الديني لدى الفرد ومن
ثم فالأشكال الدينية هي تعبيره عن الأشكال الاجتماعية.
فالدين في نظره هو مجموعة من المعتقدات والممارسات المرتبطة بالمقدس، المتميزة بالطابع
الروحي المجرد وقد توصل دوركايم إلى هذه الخلاصات من خلال دراستها الاثنولوجية لقبائل بدائية بكل من
استراليا والهنود الحمر بأمريكا .
وقد خلصت المعالجة الدوركايمية بصدد الدين أن هذا الأخير هو شيئ اجتماعي ، وأن التصورات الدينية ما هي إلا تصورات جماعية تعبر عن حقائق جماعية
، وعن طريق هذه القنوات تشكل الحياة
الاجتماعية بكل افرازاتها كظواهر تكون موضوع علم اجتماع وعرض من خلال عمله تقسيم العمل 1893 travail du division la de الذي هو في الأصل أطروحة
دكتوراه فكرة مركزية حو ل تطور المجتمعات مفادها أن المجتمعات تنتقل تدريجيا تحت تأثير تقسيم
العمل من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي، فالآلي يقوم على كون الروابط الاجتماعية تتأس على
التشابه والتماثل بين الأفراد ويمتص الوعي الجماعي وعي كل فرد.
في حين في المجتمع الصناعي حيث
التضامن العضوي يقوم الترابط على التعاقد وعلى تحديد وعي الأفراد وانتشارالفردانية .
ففي المجتمع القديم حيث التضامن الآلي يمكن أن يحل بعض أفراد المجتمع محل بعضهم الآخر، ووعيهم بكامل همومهم بالأخلاق،والمعتقدات الجماعية على عكس المجتمع الجديد حيث التضامن العضوي فأفراده متمايزون بشكل كبير .
ففي المجتمع القديم حيث التضامن الآلي يمكن أن يحل بعض أفراد المجتمع محل بعضهم الآخر، ووعيهم بكامل همومهم بالأخلاق،والمعتقدات الجماعية على عكس المجتمع الجديد حيث التضامن العضوي فأفراده متمايزون بشكل كبير .
ان المنهج الذي ارتضاه دوركايم في دراسته للظواهر الاجتماعية ، وحاول ان يحدد مراحله على
غرار المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية ، و مازال هذا المنهج صادقا في عمومه وان كان الدراسات
الاجتماعية أخذت فيما بعد تصطنع اساليب منهجية جديدة أكثر تحديدا وأكثر ملائمة لطبيعة الظواهر
الاجتماعية.


0 تعليقات