الوحدة : مبادئ التفكير الفلسفي
ذ. ابن السيد رشيد
المحاضرة الأولى
اعداد : صفاء العماري
وصف الوحدة :
وتتكون هذه الوحدة من العناصر التالية :
تمهيد
أصل كلمة فلسفة:
وعلى هذا يكون معنى كلمة فلسفة المشتقة من كلمة فيلوسوفي هو محبة الحكمة. ومعنى كلمة فيلسوف المشتقة من كلمة فيلوسوفوس هو محب الحكمة. ويشير الفارابي إلى هذا الاشتقاق بقوله: اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل على اللغة العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلوسوفيا و معناه إيثار الحكمة.
والفيلسوف مشتق من الفلسفة، وهو على مذهب لسانهم فيلوسوفوس ومعناه المؤثر للحكمة ، والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته و غرضه من عمره الحكمة. فالفلسفة اذن هي محبة الحكمة، وقد ذكر شيشرون أن فيتاغورس هو الذي وضع هذه اللقطة، فقال : لست حكيما، و لكنني محب للحكمة.
واذا كانت الفلسفة ترجع من حيث الاشتقاق إلى أصل يوناني، وكانت كلمة فيلسوف مشتقة منها، فهل تفيد الكلمتان المعربتان نفس المعنى الذي يفيده أصلها اليوناني؟
و ورد في كتاب تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق أن :"الفلسفة أولها محبة للعلوم، واوسطها معرفة حقائق للموجودات ، و آخرها القول والعمل بما يوافق العلم." يبدو جليا اذن ان الارتباط بين معنى الكلمات واضح وجلي.
في معنى الحكمة:
لقد عرفنا ان كلمة فيلسوف معناها محب الحكمة، فما هي الحكمة؟ ومن الحكيم؟
كانت كلمتا الحكمة والحكيم تدلان اول الأمر على معنى شامل، ومعنى سوفوس الحكيم و كانت كلمة سوفوس في الأصل تطلق على كل من كمل في شيء عقليا كان او ماديا. ولكن هذا المعنى العام، ما لبث ان تحول إلى معنى في غاية السمو والكمال، فينسب إلى فيتاغورس انه قال : الحكمة هلل وحده و إنما لإلنسان أن يجد ليعرف، وفي استطاعته أن يكون محبا للحكمة، تواقا إلى المعرفة، بحثا عن الحقيقة. وفي هذا النص ما يفيد أن الحكمة شيء يعلو عن منال اإلنسان، وانها صفة مقصورة على هللا وحده، وكل ما يمكن لإلنسان بإزائها، هو أن يكون محبا لها، تواقا إلى معرفتها، باحثا عنها، جادا في طلبها.
وينسب إلى سقراط أنه أمر "فيدر" أن يخبر "ليسياس" برسالة الإلهة، وفحواها ان هوميروس وسولون وسائر الشعراء والخطباء و المشرعين اذا كانت كتاباتهم تستند إلى معرفة الحقيقة فلا ينبغي أن ينعتوا بلقب أسمى، فقال "فيدر" : وما ذلك الاسم الذي تطلق عليهم؟ فقال سقراط : لا أساميهم حكماء لأن هذا الاسم عظيم لا يتصف به الا الله وحده، وإنما أساميهم "محبي الحكمة". فالحكمة في نظر كل من فيتاغورس و سقراط خاصة بالله، فهي نوع كامل من العلم لا يليق الا بالله وحده، وما ذلك الا العلم بحقائق الأشياء، على ما هي عليه في نفس الأمر.
و اذا كان هذا هو معنى الحكمة وأنها محصورة بالله، فما يتبقى لإنسان بصددها اذن، إنما هو محبتها.
وكما فسر الفلاسفة المسلمون الفلسفة بمحبة الحكمة، فقد فسروا الحكمة بالمعنى المساوي لها في الأصل اليوناني. قال الفارابي: " الحكمة معرفة الوجود حق. والموجود الحق هو واجب الوجود بذاته، والتحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكامل. وما سوى الواجب بذاته، ففي وجوده نقصان عن درجة الأول بحسبه، فاذن يكون ناقص الإدراك، فلا حكيم الا الأول لانه كامل المعرفة بذاته".
وهذا النص صريح في قصر الحكمة على الله وحده، على نحو ما جاء فيما ذكرناه سابقا فيتاغورس و سقراط.
. تعريف الفلسفة :
ها نحن قد بينا أصل واشتقاق كلمة" فلسفة" ومعنى "الحكمة"، وهذا ما يساعدنا لبناء وفهم معنى" الفلسفة". لعل في تحديد المجال الذي تضطرب فيه مسائلها ما يس اعد على تصور مفهومها، والمجال الذي تضطرب فيه مسائل الفلسفة هو المجال الذي لا تستطيع العلوم أن تقتحمه.
يقول برتراند راسل:" فيكاد معظم المسائل التي لا يستطيع العلم أن يجيب عنها والتي تستثير اهتمام العقول المتأملة أكثر مما يستثيرها أي شيء آخر، أن تكون من القبيل الذي لا يستطيع العلم أن يجيب عنه. . . ومن أمثلة هذه المسائل ما يلي: أيكون العالم منقسما إلى عقل ومادة؟ وان كان كذلك، فما العقل؟ وما المادة؟ هل العقل تابع للمادة؟ أم أنه ينفرد بقوى خاصة به؟
أفي الكون وحدة تريط أجزاءه، وهدف ينشده؟ هل يتطور الكون ساعيا نحو غاية معينة؟ أحقا هنالك في الطبيعة قوانين؟ أم أننا نؤمن بوجود القوانين في الطبيعة إرضاء لرغبتنا الفطرية في النظام؟
هل للعيش أسلوب شريف، وأسلوب وضيع؟ أم أن أساليب العيش كلها عبث لا يختلف فيها أسلوب عن أسلوب. وإن كان هنالك أسلوب من العيش شريف، فما عناصره؟ وكيف لنا أن نحياه؟ هل البد للخير أن يكون خالدا، لكي يكون جديرا عندنا بالتقدير؟ أم الخير حقيق منا بالسعي وراءه، حتى إن کان الكون صائرا إلى فناء محتوم؟
هل ثمة ما يجوز تسميته بالحكمة؟ أم أن ما يبدو أمام أعيننا حكمة إن هو إال حماقة تهذيب إلى الدرجة القصوى من التهذيب؟
تلك أسئلة ال نستطيع الجواب عنها في المعامل. . . ومهمة الفلسفة هي دراسة هذه المسائل، إن لم نقل إن مهمتها هي الإجابة عنها".
نصوص للإستئناس:
النص 1:
الفلسفة محبة الحكمة
أندري كونت سبونفيل
لعل المعنى الاشتقاقي لكلمة فلسفة واضح بما فيه الكفاية، فالفلسفة عند الإغريق، تعني محبة الحكمة أو البحث عن الحكمة. لكن ما معنى الحكمة؟. . . إن الحكمة في ارتباط بالفكر كما بالعقل وبالمعرفة، وباختصار بنوع من المعرفة، ال بالنسبة لأفلاطون وسبينوزا، ولا بالنسبة للرواقيين وديكارت أو كانط، وال كذلك بالنسبة ألبيقور و مونتني أو آلان، لكنها معرفة أكثر خصوصية، لا يمكن الكشف عنها بواسطة اي علم، ولا إثباتها بواسطة أي برهان، ولا التحقق منها أو تأكيد صحتها بواسطة أي مختبر، وأخيرا، تفنيدها بواسطة اي شهادة، ذلك لأن الأمر لا يتعلق بنظرية، بل بممارسة، لا ببراهين، بل بتجارب، لا باختبارات، بل بتمارين، لا بعلم، بل بحياة. لقد كان الإغريق يقابلون أحيان ما بين الحكمة النظرية أو التأملية Sophia والحكمة العملية Phronesis ،لكن الواحدة لا يقوم لها مقال دون الأخرى، حتى أن الحكمة الحقيقية بالأحرى ستغدو هي ما يجمع بين الحكمتين. . . فالحكمة لا يمكنها أن تكون علما ولا تقنية، كما يؤكد أرسطو، فهي أقل ارتباطا بما هو حقيقي وناجع منه ما خير بالنسبة للذات، كما بالنسبة لآخرين، فهل تكون معرفة؟ أكيد، لكنها معرفة كيف نحيا vivre-Savoir ،وهذا ما يميز الحكمة عن الفلسفة التي هي بالأحرى معرفة أن نتأمل، أن نفكر. لكن الفلسفة لا معنى لها إلا بقدر ما تقربنا من الحكمة: يتعلق الأمر بأن نفكر جيدا کي نعيش جيدا، وهذا وحده ما يعني التفلسف في الحقيقة، فالفلسفة هي ما يهيئنا للحياة كما ذهب مونتني... اختلف الفلاسفة في تعريفهم للحكمة، مثلما هو حالهم مع كل شيء، هل تقصد حكمة المتعة كما عند أبيقور؟ أو حكمة الإرادة كما عند الرواقيين؟ أو حكمة الشك كما عند الارتيابيين؟ أم حكمة المعرفة والحب عند سبينوزا؟ أم حكمة الواجب والأمل كما عند كانط؟... ، إن المتفق عليه من لدن الفلاسفة وعلى الأقل معظمهم، إنما هو فكرة، كون الحكمة موصولة بنوع من السعادة، كما بنوع من الصرامة، ولنقل بنوع من السلم الباطني، لكن المرح الصافي، اللذين لن يتحققا إلا بإعمال صارم للعقل، إنها عكس الهم ومخالفة للحمق ونقيض للألم ، لذلك كانت الحكمة ضرورية ووجب علينا أن نتفلسف، ما دمنا لا نعرف كيف نحيا، وما دمنا مضطرين أن نتعلم، لأن الهم والحمق والألم أشياء لا تهددنا ...ما الحكمة إذن، ان لم تكن قمة السعادة في قمة الوضوح، إنها الحياة الجميلة، على حد تعبير الإغريق، لكنها حياة إنسانية بمعنى آخر، مسؤولة وفاضلة... فليس الحكيم محبا للحياة، لأنه أكثر سعادة منا، بل هو أكثر سعادة، لأنه محب للحياة ...
النص 2:
الفمسفة حب الحكطة والفضيمة
أفلاطون
والحقيقة أنه لا يمكن أن يقال إن الإله يحب الحكمة أو يرغب فيها، لأن الإله حكيم فعلا. ويصدق هدا القول عن الحكماء، إذا كان ثمة حكماء. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالجاهل لا يحب الحكمة ولا يرغب فيها، لأن من ينقصه الجمال والخير والعلم يرضى عن نفسه كل الرضى, ولا يعتقد أنه لا ينقصه شيىء على الاطلاق. ومن كان كذلك لا يرغب فيما يعتقد أنه لا ينقصه. قلت إذن من يحب الحكمة ويرغب فيها ليسوا بحكماء ولا جهلة....., إن الطفل يجيبكن فمن الواضح أنهم في منزلة بين المنزلتين, لا يوصفون بالحكمة ولا يوصفون بالجهل, والحب بينهم, فالحكمة شيىء جميل, والحب هو حب جميل, فالحب إذن هو حب الحكمة, ومن ثمة فهو وسيط بين الحكمة والجهل ,,, ولما كان الحب هو الامتلاك الدائم للخير , فلابد أنه يرغب في الخلود رغبته في الخير, ويلزم من هذا أن الحب هو حب الخلود كما هو حب الخير .... إن الرغبة في المجد الخالد هي الدافع الى كل عمل جيد, وكلما ارتقى الإنسان زاد حبه للخلود وقوى الدافع إليه, أما ولئك الذين تتجه غريزتهم الخلاقة اتجاها جنسيا يجعلون همهم النساء, ويكون حبهم جنسيا محضا, وتراهم يحسبون أنهم يضمنون لأنفسهم الخلود بإنجاب الاطفال , لكن هناك غيرهم تكون ميولهم الخلاقة روحية ويحملون بالروح لا الجسد, ويخلقون ذرية روحية,,, وهده الذرية هي الحكمة والفضيلة عامة, فالشعراء واصحاب الحرف الذين يبتدعون أشياء يستحقون من أجلها أن يسموا مبدعين وخلاقين.
ولعل أعظم واشرف فرع من فروع الحكمة, هو الذي يتناول تنظيم الدولة والاسرة, وهو الاعتدال والعدل....


0 تعليقات