ثانيا:
الإتجاه الإسلامي وتأثيره في نشأة علم النفس، إسهامات العلماء والمفكرين العرب.
في ظل الحضارة العربية الإسلامية لمعت أسماء كثيرة مـن المفكـرين، والعلماء في دنيا
المعرفة وكان لأصحابها فضل كبير في حفظ التراث الفكـري الإنساني وترجمته ورفده، ممـا
اعتبـره المؤرخون مقدمة أساسية من مقدمات النهضة الأوربية، ومن بين هؤلاء المفكرين
والعلماء نذكر على وجـه الخـصوص الكنـدي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم وابن خلدون
وابن رشد وابن طفيل.
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي: (185هـ/805 - 256هـ/873 ) كان يعرف بـ
”فيلسوف العرب“ لأصوله العربية، تأثر بأفالطون وأرسطو من خلال الشروحات
والصياغات المعادة التي حاولت أن توفق بين آرائهم، لذلك فإن ما كتبه حول النفس هو
تأكيد على الطبيعة الخالدة للنفس، إذ تنشأ كمادة ثالثية موحدة( خلقها الله) والتي تعود
عبر مراحل سماوية متعددة لتكون بالقرب من الخالق، لكونها عاشت حياة يحكمها فيها
ملكتها العقلانية، فيرى إن النفس مباينة للجـسد، منفـردة عنـه بنيـة ووظيفة ومآلا، فهي
جزء من الجوهر الإلهي الروحاني، تسكن البدن بعد الـوالدة لتقـف على ما يقوم به.
التفاعل بين الإنسان ومحيطه يتم علـى ثلاثـة مستويات: الإدراك الحسي، وتتولى القيام به
الحواس الخمـس،
والمـصورة أو المتوهمة، التـي تقـوم بوظيفـة التـصور، أي الإحتفـاظ
بـصور الأشـياء والموضوعات بعد إدراكها وأثناء غيابها من جهة، ووظيفة تخيل هـذه
الـصور وتركيبها من جهة ثانية، وأخيرا العقل الذي يتولى معرفة الظـواهر والحـوادث
وجواهرها على نحو أعمق وأشمل مما تقوم به النفس في المستويين السابقين.
محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي: (870 -950 ) النفس عند الفارابي مرتبطة بنظرية
الفيض، حيث شملت نظرية الفيض الأجسام السماوية والأجسام الأرضية، ويرجع تكوين
الأشياء الأرضية إلى حصول الإمتزاجات من العناصر المكونة لها، وعند حصول الإستعداد في هذا المزاج، تقبض عليه الصور الملائمة من العقل الفعال، وكلما كانت
الإمتزاجات أقرب الى الإعتدال، كانت صالحة لقبول النفس الإنسانية.
ويعرف النفس كما عرفها ارسطو بأنها "كمال اول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة"،
ويرى ان النفس ليست مقصورة على جنس واحد من أنواع الموجودات بل تشتمل جميع
أنواع الكائنات الحية، فمذهب الفرابي في النفس يشبه ما ذهب اليه اليونانيون من حيث
ترتيبهم للنفوس، بحسب مراتب الوجود، اذ تشمل النفس النباتية التي يكون استكمالها
بالإغتناء والنمو والتوالد، والنفس الحيوانية ويكون استكمالها بالإحساس والحركة، أخيرا
النفس الناطقة الإنسانية التي تتميز بانها أرقي واتم الأنفاس، ويكون استكمالها بالإدراك،
هذه االنفس التي ميز بينها وبين انفس أخرى للأجسام السماوية، كنفس السماء، النجوم،
والكواكب...، حيث يرى ان النفس النباتية او الغادية هي اول مراتب النفس، اذ ال يمكن
وجود كائن حي بغير هذه القوى، ولكن الحيوان يزيد عن هذه النفس القوى بمقدار فهو
يحس، اما الإنسان فله ميزة يتفرد بها عن الصنفين الأولين بالتفكير، وإن كان
يشاركهما(النبات والحيوان) في النمو والتغذية والإحساس، بميزة العقل والتفكير، لأن
العقل يدرك ويتأمل ويستخلص ماهيات الأشياء.
ابن سينا 890-1036 م/الموافق ل 370-428 ه
هو فيلسوف وعالم نفس في العصور الوسطى، ألف الكثير من الكتب وكانت عنايته بعلم
النفس عناية فائقة، له كتاب شهير بعنوان "علم النفس" ونظريته في هذا المجال واسعة،
يقسم فيها القوى النفسية الى ثلاثة اقسام وهي:
-قوى يشترك فيها الإنسان والحيوان والنبات وهي النفس النباتية ولها وضائف ثالث التغذية والنمو والتوالد.
-قوى يشترك فيها الإنسان والحيوان ولا توجد عند النبات وهي النفس الحيوانية مثل القوى الإدراكية والقوى الإنزوعية الى الشهوة والغضب.
-قوى تخص الإنسان فقط، وهي الناطقة او الإنسانية او العاقلة، وتحتوي على قوى عديدة
اهما العقل العملي من حيث التعامل مع شؤون الحياة اليومية فتميز بين الصح والخطأ
والظلم والعدل.
ابن خلدون: يحتل الإنسان في نظره مكانة رفيعة لما يتمتع به من قدرات فكرية تجعله كائنا متميزعن سواه باعتباره الحلقة الأخيرة في سلسلة التكـوين والنشوء التي عرفها الكون,والتي تعتبر كل حلقة فيها نتيجة لـسابقتها ومقدمة للحلقة التي تليها، وتتمثل الحلقة الأولى،
عنده، في ظهور العناصر المادية بـدءا من التراب وانتهاء بالنار، مرورا بالماء ثـم الهـواء،
وبفعـل تحـولات هـذه العناصر وتفاعلها بعضها مع بعض تتكـون المعـادن فالنباتـات
فالحيوانـات، وأخيرا الإنسان بصورة تدريجية ومحكمة، ويستمد الكائن الأعلى وجـوده مـن
الأدنى، وعلى أساس هذه النظرة التطورية يميز ابن خلدون مراتب عديدة للـنفس الإنسانية،
تتحدد عبرها وبفضلها موضوعات النـشاط البـشري، بـل وموقـع الإنسان في هذا الكون،
فالنفس في المرتبة الأولى تكون مرتبطة ارتباطـاا كليـا بالبدن، وتعتمد في تفاعلها مع العالم
الخارجي على القـوى الحـسية والخيـال والذاكرة والتفكير بالمحسوسات، بينما تستطيع في
المرتبة الثانية مـن الإفـلات من عالم المحسوسات لتّتجـه نحـو "عـالم المـشاهدات
وما يميز المرتبة الثالثة من النفس البشرية هو ما فطرت عليه مـن قـدرة التخلّي عن كل ما هو محسوس بصورة كلية والتحول إلى عقل محض أو
"ذات روحانية".
الامام الغزالي،1050-1111 م:
هو عالم إسالمي، نظريته في علم النفس واسعة، خاصة
فيما يخص علم النفس الاجتماعي والأخلاقي، يقسم قوى النفس بنفس أسلوب ابن سينا، ونظريته في الانفعالات النفسية مبتكرة، ترى ان الغضب قوى محلها القلب، والغضب هو
غليان دم القلب بطلب الانتقام، واسبابه الزهو والعجب، وهذا الغضب ان تم كبته، رجع الى
باطن الانسان واختفى فيه وصار حقدا، والحقد يثمر الحسد.
ثالثا: علم النفس في بداية عصر النهضة:
اخذ الأسلوب الفلسفي النظري التأملي في دراسة القضايا والأفكار والاحوال النفسية يتغير
تدريجيا منذ بداية عصر النهضة، وبدأ علم النفس يحقق نموا ملحوظا نحو الاستقلال عن
الفلسفة وبناء كيانه العلمي المستقل، ومضى علم النفس في تطوره وبخطى متسارعة على
ايدي فلاسفة كبار أمثال ديكارت الذي نجده يشغل نفسه بحل مشكلة العلاقة بين العقل
والجسم، مركزا على ان الخاصية الجوهرية للجسم هي الامتداد على حين ان الخاصية
الجوهرية للعقل هي التفكير، والصلة بينهما هي صلة تفاعل كيميائي يحدث في الغدد
الصنوبرية، وكان على الثنائية التي طبعت تعاليم ديكارت أن تنتظر الفيلـسوف الإنكليـزي،
توماس هوبز لكي يحلها ويتجاوزها، فقد وجد هـذا الفيلـسوف أن الظواهر الكونية، بما فيها
مظاهر السلوك، تقـوم أساسـا علـى الحر الآليـة، فالموضوعات الخارجية تؤثر على أعضاء
الحس، فتنتقل منها إلـى القلـب والمـخ بوساطة الأعصاب، حيث تحتفظ بحركتها هناك على شكل مشاعر وصور وأفكـار، وبذا يعد هوبز أول مفكر حذف مفهوم الروح واكتفى بدراسة
دور الأفعـال الالية التي تصدر عن الجسم، وقد اعتبرت آراؤه حجر الزاوية في نشأة
الارتباطيـة فـي القرن الثامن عشر ومن ثم تطورها عبر القرن التاسع عشر.
ولعلنا نجد موقفا مماثلا عند باروخ سـبينوزا، فالأفكـار والأحاسيس والمشاعر تخضع في
حركتها وديناميتها من وجهـة نظـره إلى نفس النظام الذي تخضع له الأشياء والحـوادث
الطبيعيـة فـي تشكلها وتطورها، ويشير سبينوزا إلى أن الظواهر النفسية، مثلها مثل
الظـواهر المادية، تنشأ وتتطور بفعل جملة من الأسباب والعوامل الموضوعية.


0 تعليقات