موضع اعلانك هنا

المحاضرة الخامسة والسادسة من اسس علم الاجتماع الذكتور الحمداوي


سوسيولوجيا ماكس فيبر

تعد مساهمة ماكس فيبر السوسيولوجية من بين أهم المساهمات العلمية والنوعية في تاريخ علم الاجتماع والتي انتظمت حولها مختلف الدراسات السوسيولوجية، إما استثمارا لمفاهيمها وتصوراتها ومقاربتها المنهجية أو نقدا وتقويما لاختياراتها الفلسفية والعلمية. حيث تتمثل إسهامات ماكس فيبر، بالخصوص، في تقديمه للأساس الفلسفي والنظري للعلوم الاجتماعية الناشئة، مثلما نستشفه في دراساته المختلفة حول الاقتصاد والمجتمع والدين والمجتمعات القديمة والسياسة وغيرها.

وعلى خلاف السعي الحديث للاتجاه الوضعي نحو موضعة الظاهرة الإنسانية تبعا لنموذجية المنهج التجريبي، الذي خطا بالعلم الطبيعي خطوات مهمة في سبيل اكتشاف العالم وتملكه اعتمادا على آليات الملاحظة والاستقراء والتكميم والتعميم، فإن اتجاه الفهم بمنظوره الفينومينولوجي ارتكز بالأساس على بيان خصوصية الظاهرة الإنسانية و طابعها الذاتي والكلي غير قابل للتجزيء، وإمكانية معرفتها علميا من الداخل، دون اللجوء إلى عملية الاسقاط التعسفي للمنهج التجريبي على موضوع مخالف تماما لأشياء الطبيعة.

على هذا النحو سيتم التمييز بين الظواهر عموما وبين الوعي الذاتي الذي يضطلع بإدراكها، حيث تنكشف الكيفية التي يتم بها إدراك العالم من قبل الذات،وفهم الأفعال الاجتماعية في سياقها التاريخي، عوضا عن البحث عن القوانين العامة الناظمة لها سيرا على نهج علوم الطبيعة.
 على هذا النحو سيتم النظر للإتجاه الوضعي على أنه مرحلة ما قبل العلم، أو مرحلة وسطى بين الأفكار الاجتماعية وعلم الاجتماع. بما يقتضي تخطي عتبة استحداث مسافة معينة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، لما تفضي إليه من إلغاء مقومات الظاهرة الإنسانية وخصائها المميزة لها، الأخلاقية منها، أوالعقلية والنفسية لحظة إحالة الموضوع المدروس على عالم الأشياء والجماد. لتخطي ذلك، سعى فيبر إلى إدراك الموضوع المدروس انطلاقا  من الدلالات والمعاني التي تضفيها الذات المدروسة على أفعالها، والكشف عن شبكة العلاقات الناظمة لها، حيث العلاقة بين الذات الباحثة وموضوع المعرفة   يقوم على الاتصال لا الانفصال.  لذلك سيتم النظر لمنهج الفهم الفيبري على أنه تلك "لسيرورة التي نعرف  بواسطتها ما هو نفسي باطني اعتمادا على علامات حسية، تعتبر تجليا أو مظهرا لها" .

وبهذا المعنى، يتصل إدراك الظواهر والأفعال والأحداث، بالنسبة لماكس فيبر، بالبداهة والوضوح، ما دام الفهم فعل معرفي مباشر، يتيح لنا إمكانية إدراك دلالة معيشية تعطى لنا كتجربة بديهية، ووضعية وجودية، تبعا لمقاصد الفاعلين الاجتماعيين،وتأويلاتهم المحددة لمختلف الألوال والإشارات والأفعال. بما يجعل الفهم بداهة مباشرة  أفهم العلاقة بين الغضب وتلقي الضربات أو اللكمات، في حين أن "التفسير هو تبرير وتعليل لبروز ظاهرة اجتماعية بافتراض ظاهرة أخرى" . على هذا النحو فنحن نفهم الحياة الإنسانية ونفسر الطبيعة.

 ترتيبا على ما سبق، ذهب ماكس فيبرإلى أن موضوع سوسيولوجيا الفهم يتمثل في دراسة الأفعال الإنسانية والاجتماعيةالتي يتم إدراكها بناء على موقف عقلي محدد، أساسه الفهم والتأويل بغرض الكشف عن المعاني والدلالات التي يضفيها الفاعلون الاجتماعيون على علاقاتهم، والأحداث والوقائع الناظمة لحياتهم. ثم العمل على تفسير الكيفية التي يؤثر بها التأويل والدلالة والمعنى على فعلهم. يقصد بالفعل الاجتماعي ذلك السلوك الإنساني الذي الي يضفي عليه الفاعل معنى، أو الفعل الذي يوجهه اتجاه الأشخاص الآخرين. ومن ثم فهم الدوافع التي دفعت الأفراد للتصرف والفعل. 

 النماذج المثالية للفعل

 في سعيه لتحديد طبيعة الفعل الاجتماعي وتنميطه، ارتآى ماكس فيبر استعمال النماذج المثالية، بوصفها أداة عقلية ومنهجية في التفكير السوسيولوجي. وبما أن عالم الاجتماع ملزم بفهم الظواهر الاجتماعية وتفسيرها، وبالنظر إلى تعدد أسبابها واختلافها، يدعو فيبر إلى تشييد نماذج مثالية لضبطها وتبسيط أبعادها الاجتماعية. وهي العملية العقلية والمنهجية التي لا تتأتى إلا من خلال القيام بضبط المقومات الأساسية في الظاهرة الاجتماعية، في مقابل التخلص من المظاهر الزائدة وغير الناظمة لها. مما يتيح للباحث القدرة على الكشف عن منطق الأفعال الاجتماعية، أو عن حقيقة تاريخية معينة.
 وقد خلص ماكس فيبر، من خلال دراساته السوسيولوجية إلى أربع محددات للفعل الاجتماعي، تحوي كلها العوامل الممكنة التي على أساسها يتصرف الفاعلون الاجتماعيون، إثنان منها لا تصدر عن تفكير، وإثنان مفكر فيهما من قبل الفاعلين. 

- فعل تقليدي عرفي
- فعل عاطفي  انفعالي
 - فعل عقلاني بالقيمية الموجهة للفعل 
- فعل عقالني بالغاية املحددة للفعل. 

 الحياد الأكسيولوجي

وهو عبارة عن تصورمنهجي خاص بلوره ماكس فيبر عن العلوم االجتماعية، بوصفه التزاما أخلاقيا من قبل الباحث، يقتضي منه إقامة تمييز دقيق بين تحليله الأمبريقي للظواهر، وبين مقوالته الذاتية وتفضيلاته المعيارية المحكومة بالنعرات السياسية والثقافية والدينية.
 فالحياد الأكسيولوجي بهذا المعنى، هو موقف أو وضعية منهجية وعقلية تتيح للباحث اكتساب الوعي إزاء قيمه وأحكامه وآرائه لحظة دراسته للظواهر االجتماعية، بهدف التمييز بين الخطاب الألخلاقي والخطاب العلمي السوسيولوجي، بسبب انتماء الباحث للمجتمع ولفئات اجتماعية محددة، ولقيم ثقافية وعقدية ناظمة لها مما قد يعرض البحث السوسيولوجي، في إحدى مراحله، لتأثيرات إيديولوجية تحول  دون تحقيق شرط الموضوعية، خصوصا عند دراسة بعض المواضيع المحددة كالجنس والدين والسياسة، حيث تتم إثارة الدلالة القيمية لها،وما يتصل بها من تحيز وميل مقارنة بالحياد المفترض في الباحث.والذي يقتض يمنه التزاما أو حيادا قيميا لحظة صياغة فروضه ومفاهيمه.

  العقلنة ونزع النظرة السحرية عن العالم:  

يقصد ماكس فيبر بنزع النظرة السحرية عن العالم قدرة الباحث السوسيولوجي على ضبط كل المظاهر الاعقلانية المعيقة للتفكير العلمي حول الظواهر الاجتماعية، والناجمة عن شيوع الممارسة السحرية والتقليدية، والقائمة على تنميط ثقافي للحياة الاقتصادية والتقنية لألفراد.
   تتمثل تلك السيرورة خصوصا في فقدان العالم لجاذبيته وبعده العجائبي ، لما توقف عن أن يكون لغزا، على خلاف ما حاولت مختلف أنماط المعتقدات أن تعززه متوسلة الأساطير والحكايات والأقاويل الخرافية.مما ترتب عنه فقدان الإنسان لروحه العقدي،ولثقته في نفسه وفي قدره وأوهامه،وآماله أيضا.

والتي عوضها بعقلية الحساب والتنظيم المنهجي لمعارفه، والتخطيط والتوقع لأحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. حيث لم يعد إنسان العصر الحديث مثل البدائي الذي يكتفي بالتوسل لقواه الروحية والغيبية، وإنما صار يستند لقواه العلمية والتقنية، التي مكنته من تحويل المجتمع وتملك العالم.
 لهذا يتصل حديث فيبر عن نزع النظرة السحرية عن العالم بحديثه عن تنامي العقلنة في المجتمع، والتي يميز فيها بين العقلنة الموضوعية والعقلنة الشخصية أو الذاتية؛ تتمثل الأولى في بناء المعارف العلمية الموضوعية عن العالم الاجتماعي والطبيعي، وفي قدرة الباحث على تحليل دوافع وانحرافات الفاعل في اختياره لوسائله، ما يجعل من السوسيولوجيا تلك الأداة الأساسية للعقلنة الموضوعية. في حين تتصل الثانية بسيرورة استدخال الذات للمعارف العقلية والعلمية، وبكيفية تعبئة الأفراد لأفعالهم استجابة مثال لقيم الواجب أوالكرامة، أو إزاء قضية سياسية أودينية لها أهمية بالغة بالنسبة له. وعلى هذا الأساس سعى ماكس فيبر إلى التمييز بين النشاط العقلي تبعا لغائيته وبين النشاط العقلي بناء على قيمته.
 على هذا النحو يتخذ مفهوم  désenchantement  حسب جوليان فروند معنى العقلنة بوصفه سيرورة موضوعية للمعرفة والفعل معا، ومعنى التثقيف intellectualisation بوصفه امتدادا للعقلنة كتمثل ذاتي، بغرض التخلص من كل التصورات السحرية لحظة السعي لفهم مختلف الوقائع الاجتماعية والمادية، وتخطي كل الأنماط الثقافية التقليدية كالتطير والخرافة الناظمة لحياة الناس في المجتمعات التقليدية،والارتكاز عوضا عنها على خطاب عقلاني كفيل بتملكها مفهوميا ونظريا.




إرسال تعليق

0 تعليقات

اعلان متجاوب تلقائي في اول جميع المواضيع
اعلان متجاوب تلقائي في وسط جميع المواضيع
اعلان ادسنس متجاوب