موضع اعلانك هنا

المحاضرة الثانية مدخل الى علم النفس

 يعتبر علم النفس من أقدم العلوم ان لم يكن أقدمها على الاطلاق، ذلك ان الاهتمام بدراسة النفس الانسانية قديم قدم التفكير البشري، حيث انصرف اهتمام الفلاسفة وعلماء الدين، الى التفكير والتساؤل عن هذه النفس البالغة من التعقيد مبلغا كبيرا، وما تشمله هذه النفس من ميول وانحيازات ودوافع وغرائز وحاجات، وما ينتابها من مشاعر وافراح، وما تبديه من قدرة هائلة على التعلم والاستدلال والتفكير.

لقد عكف الفلاسفة ورجال الدين عبر العصور ولقرون طويلة على التفكير في موضوعات النفس الإنسانية، ومع ذلك فإن علم النفس بالمعنى الحديث والمعاصر يعتبر من أحدث العلوم، فكيف حدثت التطورات العلمية والتاريخية في علم النفس؟ وما هي اهم المحطات التي مر منها هذا العلم؟

اولا:

 الاتجاه الفلسفي وتأثيره في نشأة علم النفس، اسهامات فلاسفة الاغريق.

إن الحديث عن الفكر السيكولوجي بدءاً من الفلسفة اليونانية لا يعني مطلقاً أن الفلسفات التي سبقتها لم تعن بهذا الجانب المعرفي، بل إنها حملت الكثير من الآراء والملاحظات التي عكست اهتمام أصحابها بطبيعـة الإنـسان ونـشاطه النفسي، على الرغم من الطابع الميتافيزيقي لها، ولقد أثرت هذه الفلسفات علـى التطور الذي عرفه الفكر الفلسفي في بلاد اليونان، ويـشير مؤرخـو الفلـسفة، مثالً، إلى بصمات الفلسفة المصرية الواضحة على تعاليم الفلاسـفة اليونـانيين، وخاصة "تاليس" الذي يعتبر مؤسس الفلسفة القديمة، فتنسب إلى تاليس الحكمة المشهورة "اعـرف نفـسك" التي أصبحت المبدأ الرئيسي الذي اعتمد عليه سـقراط فـي تعاليمه، وتقـدم مدلولات هذه الحكمة الدليل الواضح على محاولة حكماء تلك الحقبة فهم السلوك الإنساني ومكانة الإنسان في هذا الكون، ذلك لأن وجود الإنسان وأصله ومآله كانت إحدى المشكلات التـي حـاول تاليس البحث فيها و معالجتها،فقد رأى أن الإنسان كائن يتألف مـن عنـصرين رئيسيين متناقضين، الجسد أو البدن من جهة، والنفس أو الروح من جهة ثانية. ويشاطر "فيثاغورس" وأتباعه تاليس نظرته إلى العلاقة بين الجسم والنفس كجوهرين لا صلة لأحدهما بلأخر من حيث أصله وطبيعته، ويقول فيثاغورس بإمكانية انتقال الروح من إنسان إلى آخر، أو إلـى أي كـائن حي بعد الموت، وهذا ما يعرف بتناسخ الرواح، وقد لقيت هذه الفكرة صـدى إيجابياً لدى بعض الفلاسفة اليونانيين، كما وجدت طريقها إلى معتقدات عدد من المذاهب الدينية المختلفة في مراحل متأخرة من التاريخ العالمي، ويذهب بعـض المؤرخين إلى أن فيثاغورس لم يكن أول من طرح هذه الفكرة، وإنما نقلها عـن الفلسفتين القديمتين: المصرية والهندية. 
-الكميون . القرن 6 ق م: كان مفكراً وفيلسوفاً شغوفاً بالجسم البشري وأسراره، واستطاع التوصل لعدة حقائق لم تعرف وتنتشر من قبل، كان من أهمها أن المخ يمثل مركز الذكاء والفطنة، كما وصف العصب البصري المسؤول عن نقل الصورة التي تتكون على الشبكية الي المخ ليترجمها ويوضحها لنا، باإلضافة الى انه اول من قام بتشريح جثث الموتى لأغراض علمية.
-أبقـراط Hippocrates 377-470" ق م : غالبا ما يلقب بأبي الطب الحديث، قـام في القرن الخـامس قبـل المـيلاد، بفصل الطب عـن الـدين، والسـحر، والمعتقـدات الخرافية، حيث رفض الإعتقاد اليوناني السائد بأن الرب يرسل أمراضـا جسـدية خطـيرة واضطرابات عقلية كنوع من العقاب، وقد قام بتصنيف الإضطرابات العقلية إلى ثـلاث مجموعات: الهــــوس، Mania والســــوداوية أو الإكتئــــاب Melancholia ،وإلتهــــاب الــــدماغ Phrenitis ،بالإضــافة إلى ذلـــك، يعتقــد "أبقـــراط" أن الأداء الـــوظيفي الطبيعـــي للمـــخ، والصـــحة العقليـــة يعتمدان على التوازن الدقيق بين سـوائل الجسـم الأربعــة التاليــة، وهــي: الــدم والــبلغم والصــفراء والســـوداء، وعـــدم التـــوازن يســـبب حـــدوث الإضطرابات، فـإذا كـان الشـخص كسـوال أو غبيـا عــلى ســبيل المثــال، فــإن مــن المفــترض أن يكــون الجسم به نسـبة بلغـم عاليـة، أمـا ارتفـاع نسـبة العصارة السوداء فهو ما يفسر اإلصابة بالإكتئـاب والسوداوية، وإذا كانت العصـارة الصـفراء زائـدة فهي تفسر حدة الطبع والقلـق، أمـا الـدم الزائـد للغاية فهو مؤشر على تغير الحالة المزاجية.
-سقراط 470-399 ق م: صاحب المقولة المشهورة (اعرف نفسك بنفسك) يرى ان الحقيقة موجودة داخل كل شخص لكن انصراف الناس الى الأعمال اليومية يحيط المعرفة بغشاوة، وعلى من يريد الحقيقة ان يناقش نفسه ويواجهها، وأن الإنسان يريد الخير دائما ويهرب من الشر. كما يرى ان النفس العاقلة او الروح هي جزء من الروح الإلهية، أما البدن فيتألف من العناصر التي يتكون منها العالم المادي، وهي الماء، التراب، الهواء، والنار، وبما ان النفس الإنسانية هي جزء من الروح الإلهية، فإنه بإمكان الإنسان السيطرة على بدنه والتحكم برغباته وشهواته، كما يرى ان الطبيعة تشمل قوتين هما العقل والشهوة، وهاتان القوتان رغم انهما تعيشان سويا إلا أن الصراع بينها دائم، لإختلاف طبيعة كل منهما. 
-افالطون 427-347 ق م: يعتبر رائدا من رواد الفلسفة اليونانية واكثرهم شهرة، يرى ان الإنسان يتكون من نفس وجسد او بدن، والعلاقة بينهما هي علاقة تضاد وتنافر، فالجسم يشد النفس نحو الأشياء المادية ويلبي الشهوات والرغبات، اما النفس فهي عاقلة خالصة تتأمل جوهر الأشياء، ولقد تأثر افالطون بسقراط في نظرته الى طبيعة النفس والجسد ومصير كل منهما، وهو يرى في اعتقاده ان الروح منزهة عن الموت لأنها الأساس لكل حركة عكس الجسد الذي يفنى لكونه جزء من العالم المادي. يقسم النفس الى ثالثة اقسام وهي: 
  النفس العاقلةومركزها الرأس لأن الرأس اعلى جزء من الجسم، وهو أقرب الى السماء، كما انه مستدير والدائرة أقرب االشكال الهندسية الى الكمال. اعلى الأقسام مرتبة وارقاها منزلة.
النفس الغاضبة او العصبية موطنها القلب وهي أدني مراتب النفس. 
النفس الشهوانية موطنها البطن وهي تشغل الموقع الوسط بين الحكمة والشهوة. النفس حسب افالطون هي مثل ربان سفينة يقودها وسط العواصف حتى يصل بها الى غايتها، وهذه النفس الإنسانية هي اشبه بعربة يجرها جوادان او حصانان جامحان هما:النفس الشهوانية والنفس الغاضبة، اما القائد فهو العقل( النفس العاقلة) التي عليها ان تسيطر عليهما وتخضعهما لسيطرتها. جاءت فكرة تقسيم النفس عند افالطون من خلال فكرته التي مفادها ان هناك عالمين هما عالم المثل ويتكون من المعاني الدائمة ومنها تتكون النفس، وعالم الحس وفيه يتكون الجسم، وعندما تهبط النفس من عالم المثل الى العالم المادي المحسوس لتحتل الجسم تتكون اقسام النفس التي سبق وذكرناها.
-ارسطو 384-322 ق م: هو فيلسوف يوناني تلميذ افالطون، مؤلف كتاب تحت عنوان النفس، حدد موقفـه مـن الـنفس، وطرح موضوع اتحاد البدن والروح، وعدم إمكانية الفـصل بينهمـا إلا عـن طريق التجريد، ورأى أنه من غير الممكن تقسيم النفس أو الروح إلـى أجـزاء كما فعل أفالطون، ولكنه وجدها تتخذ أشكالا متعددة، وتتجـسد فـي مـستويات وقدرات متباينة، كالقدرة على التغذية، والقدرة علـى الحـس، والقـدرة علـى الحركة، والقدرة على الفهم، وان هذه القدرات مجتمعة هـي –فـي اعتقـاده- خاصية الإنسان وحده دون سائر الكائنات الحية الأخـرى، فيقسم النفس الى ثالثة أنواع وهي: 
النفس النامية: وهي أساس الغذاء والنمو، وهي موجودة في النبات وهي الوظيفة الأولى للنفس.
 النفس الحيوانية: وضيفتها الحركة واالحساس عن طريق الحواس الخمس، وهي موجودة عند االنسان والحيوان. 
النفس العاقلة: وظيفتها التفكير وهي موجودة عند االنسان فقط.




إرسال تعليق

0 تعليقات

اعلان متجاوب تلقائي في اول جميع المواضيع
اعلان متجاوب تلقائي في وسط جميع المواضيع
اعلان ادسنس متجاوب